الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
163
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتوارثوا خبره أبا عن جدّ من نزول الحجر الأسود من السّماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم ، ولعلّه حجر كوكبي . ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قحولة أرضه ، وملوحة مائه . وقوله : مَقامُ إِبْراهِيمَ أصل المقام أنّه مفعل من القيام ، والقيام يطلق على المعنى الشّائع وهو ضدّ القعود ، ويطلق على خصوص القيام للصّلاة والدعاء ، فعلى الوجه الثّاني فرفع مقام على أنّه خبر لضمير محذوف يعود على لَلَّذِي بِبَكَّةَ ، أي هو مقام إبراهيم ، أي البيت الّذى ببكّة . وحذف المسند إليه هنا جاء على الحذف الّذي سمّاه علماء المعاني ، التّابعين لاصطلاح السكاكي ، بالحذف للاستعمال الجاري على تركه ، وذلك في الرفع على المدح ، أو الذم ، أو الترحّم ، بعد أن يجري على المسند إليه من الأوصاف قبل ذلك ما يبيّن المراد منه كقول أبي الطمحان القيني : فإنّ بني لأم بن عمرو أرومة * سمت فوق صعب لا تنال مراقبه نجوم سماء كلّما انقضّ كوكب * بدا كوكب تأوي إليه كواكبه هذا هو الوجه في موقع قوله تعالى : مَقامُ إِبْراهِيمَ . وقد عبّر عن المسجد الحرام بأنّه مقام إبراهيم أي محلّ قيامه للصلاة والطواف قال تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : 125 ] ويدل لذلك قول زيد بن عمرو بن نفيل : عذت بما عاذ به إبراهم * مستقبل الكعبة وهو قائم وعلى الوجه الأول يكون المراد الحجر الّذى فيه أثر قدمي إبراهيم - عليه السّلام - في الصّخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة ، وبذلك فسر الزجّاج وتبعه على ذلك الزمخشري ، وأجاب الزمخشري عمّا يعترض به من لزوم تبيين الجمع بالمفرد بأنّ هذا المفرد في قوّة جماعة من الآيات لأنّ أثر القدم في الصّخرة آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصّخر دون بعض آية ، وأنا أقول : إنّه آيات لدلالته على نبوّة إبراهيم بمعجزة له وعلى علم اللّه وقدرته ، وإنّ بقاء ذلك الأثر مع تلاشي آثار كثيرة في طيلة القرون آية أيضا . وقوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً عطف على مزايا البيت وفضائله من الأمن فيه على العموم ، وامتنان بما تقرّر في ماضي العصور ، فهو خبر لفظا مستعمل في الامتنان ، فإنّ الأمن فيه قد تقرّر واطّرد ، وهذا الامتنان كما امتنّ اللّه على النّاس بأنّه خلق لهم أسماعا